سلسلة العلوم الشرعية
العدد: الثالث – عام 2025
الناشر: إتحاد الأكاديميين والعلماء العرب
رقم شهادة الترخيص لدى هيئة الإعلام :
م ن إ / 1495 / مطبوعة متخصصة / 2021
رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية :
د / 3101 / 2022
رقم التصنيف المعياري الدولي :
(Print) ISSN 2957-5974
(online) ISSN 2957-5982
2025 المجلد ، العدد 3
دور تعلم الحديث النبوي الشريف في تعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها عند أهلها
The Role of Learning the Prophet’s Hadith in Teaching the Arabic Language for Non-native Speakers Among Its People
الأستاذ الدكتور محمد مصلح الزعبي
أستاذ الحديث النبوي في كلية الشريعة–جامعة آل البيت
تاريخ الاستلام: 2022/08/01
تاريخ القبول: 2022/11/09
يهدف هذا البحث إلى بيان دور تَعَلُّم الحديث النبوي الشريف في تعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها عند أهلها، واقتضت طبيعة البحث إلى استخدام ثلاثة مناهج هي: المنهج الاستقرائي الجزئي، والمنهج التحليلي والمنهج الاستنباطي.
وخَلُصَ البحث إلى عدد من النتائج من أهمها: أن اللغة العربية وعاء لجميع مصادر الدين الإسلامي بلا استثناء، وهي الوسيلة الأولى-وربما الوحيدة- لإقامة الشعائر التعبدية في الإسلام، وأن الحديث النبوي الشريف أثرى اللغة العربية بلهجات وألفاظ ومعاني وتراكيب جديدة لم تعرف من قبل، مما ساعد على توسعها وانتشارها بشكل كبير.
وجاء هذا البحث في مقدمة وأربعة مطالب وخاتمة.
الحديث النبوي، اللغة العربية، الناطقين بغيرها.
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله واصحابه الطيبين، وعلى من تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين أما بعد:
فإن اللغة العربية هي اللغة التي نزل بها الوحيان: المتلو وغير المتلو، والنبي e هو المبلغ عن ربه بلسان عربي مبين؛ آتاه ربه جوامع الكلم، وفصاحة المنطق وبلاغة البيان، وأرسله الله للناس كافة، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة.
والمتصفح لكتب الشروح الحديثية يرى بوضوح ما استنبطه أصحاب هذه الكتب من كنوز بلاغته، ودرر فصاحته.
وقد أولى مصنفوا كتب البلاغة عناية خاصة بالسنة النبوية، فلا يكاد يخلو باب من أبواب المعاني أو البيان أو البديع من التمثيل بحديث شريف أو الاستشهاد به.
كما أنّ معاجم اللغة العربية وقواميسها زاخرة بشواهد من الحديث النبوي، كما ويعدّ الحديث النبوي الشريف أصلاً من أصول تقرير كثير من المسائل اللغوية.
وهكذا نجد أن هناك علاقة وثيقة بين اللغة العربية وبين السنة النبوية؛ من أجل ذلك عزمت على كتابة ورقة بحثية توضح هذه العلاقة، ووسمتها بـ: ” دور تعلم الحديث النبوي الشريف في تعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها عند أهلها.
أهمية الموضوع وسبب اختياره:
يتحدث هذا البحث عن العلاقة التعليمية بين اللغة العربية والحديث النبوي الشريف، واستفادة كل منهما من الآخر.
وغني عن القول أن الحديث النبوي الشريف واللغة العربية لهما أهمية بالغة في حياة الإنسان المسلم، وهما أحد مرتكزات الثقافة الإسلامية، وإن لم تكن اللغة العربية مصدرا رئيسا للثقافة الإسلامية إلا أنها الوعاء الذي يضم جميع مصادرها.
ومن هنا تنبع أهمية هذا الموضوع من كونه يتحدث عن اللغة العربية؛ الوعاء الثقافي والحضاري للأمة الإسلامية، وعلاقتها بالحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للتشريع.
مشكلة البحث
سيجيب هذا البحث عن السؤال الرئيس الآتي:
ما دور تَعَلُّم الحديث النبوي الشريف في تعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها عند أهلها؟ ويتفرع عن السؤال الرئيس الأسئلة الفرعية الآتية:
- ما أهمية اللغة العربية؟ وما مميزاتها؟
- ما أثر الحديث النبوي في فهم اللغة؟ وما أثر اللغة العربية في فهم الحديث النبوي؟
- وهل للحديث النبوي فضل على اللغة العربية؟ وهل للغة العربية فضل على الحديث النبوي؟
أهداف البحث
يهدف هذا البحث إلى:
- بيان دور تَعَلُّم الحديث النبوي الشريف في تعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها عند أهلها
- بيان أهمية اللغة العربية وأهم ميزاتها.
- بيان فضل الحديث النبوي واللغة العربية كل منهما على الآخر.
الدراسات السابقة
في حدود اطلاعي لم أجد دراسة تحمل هذا العنوان، لكني وجدت بعض الدراسات المقاربة، ومنها:
- بحث بعنوان: أثر الحديث النبوي الشريف في تحصيل طالبات معهد اعداد المعلمات في قواعد اللغة العربية م.م. اقبال كاظم حبيتر جامعة القادسية- كلية التربية، منشور في مجلة القادسية في الآداب والعلوم التربوية المجلد(8) العدد(4) لسنة2009م، وركز البحث على أثر تعلم الحديث في تحصيل عينة من الطالبات في المعهد المذكور.
- كتاب بعنوان: أثر اللغة العربية في فهم الحديث النبوي الشريف للدكتور أيمن محمود مهدي، ويبحث الكتاب في أثر اللغة العربية في فهم الحديث النبوي.
وهذه الدراسات على أهميتها لم تتعرض لموضوع بحثي؛ فالأول ركز على أثر تعلم الحديث على عينة من طالبات معهد اعداد المعلمات في قواعد اللغة العربية، وهنّ من الناطقات بالعربية في حين أن بحثي يبحث في أثر الحديث في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
وأما الثاني: فركز على أثر اللغة في فهم الحديث، في حين أن بحثي يهدف إلى بيان أثر تعلم الحديث في تعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها، فالهدف مختلف تماما.
منهجية البحث:
تقتضي طبيعة هذا البحث استخدام ثلاثة مناهج هي: المنهج الاستقرائي والمنهج التحليلي والمنهج الاستنباطي.
خطة البحث
قسمت البحث إلى مقدمة، وأربعة مطالب، وخاتمة، على النحو الآتي:
المقدمـــــــــــــــــــــــــة : سأذكر فيها أهمية الموضوع، وسبب اختياره، ومشكلة البحث، وأهدافه، والدراسات السابقة ومنهجية البحث وخطته.
المطلب الأول: أهمية اللغة العربية في القرآن والسنة
المطلب الثاني: أهمية اللغة العربية لغير الناطقين بها
المطلب الثالث: دور تعلم الحديث النبوي في تعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها عند أهلها
المطلب الرابع: أثر الحديث النبوي في تطور اللغة العربية وانتشارها
الخاتمة: وسأذكر فيها أهم النتائج التي توصلت إليها، والتوصيات.
المطلب الأول: أهمية اللغة العربية في القرآن والسنة:
اللغة العربية وإن لم تكن أكثر اللغات انتشاراً، إلا أنها من أهم اللغات وأشرفها على الإطلاق، فقد حظيت اللغة العربية بكثير من الميزات والخصائص التي أضفت عليها هيبة ووقاراً، وجعلتها تحظى بمكانة مرموقة بين لغات العالم، فهي أوسع لغات العالم، بالرغم من قلة حروفها، وقد امتازت بالفصاحة والبيان، وكثرة الصور الفنية، والرقي في التعبير، إذ تنبع أهميتها من كونها لغة القرآن الكريم، وبها تحدث النبيeوصحابته الكرام، وهي لغة العبادة للمسلمين جميعاً، ولغة التواصل والتخاطب بين أهلها، يقول الفراء: «وجدنا للغة العرب فضلاً على لغة جميع الأمم اختصاصاً مـن الله تعالى، وكرامة أكرمهم بها، ومن خصائصها أنه يوجد فيها من الإيجاز ما لا يوجد في غيرها من اللغات»([1]).
الفرع الأول: أهمية اللغة العربية في القرآن: فقد شاء الله أن ترتبط اللغة العربية ارتباطا وثيقا بالدين الإسلامي، وتسير في ركابه أينما سار، وتحلُّ حيثما حلّ، وفي ظله أصبحت عاملاً أساسيا في فهم القرآن، ومن هنا اكتسبت اللغة العربيّة أهميتها بسبب ارتباطها بالقرآن؛ الذي أنزلت التعاليم به، فلا يستطيع المسلم ممارسة شعائره الدينية إلا به، قال الله تعالى: ) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ([يوسف:2]، وقال-أيضاً: ) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين([الشعراء193-195].
والسبب في اختيار اللغة العربية لتكون لغة القرآن؛ لأنها لغة فصيحة، وفيها من البيان وسعة المعاني ما يؤهلها لأن تكون لغة القرآن الكريم، وها هو الحافظ ابن كثير يعلل اختيار العربية لغة للقرآن الكريم بقوله: «وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس؛ فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات»([2])، “وكان أبو عمرو بن العلاء يَعُدُّ العربية من الدين لا تنفصل عنه ولا ينفصل عنها، فبلغ ذلك عبد الله بن المبارك فقال: صدق” ([3]).
ولذلك فإنّ أهمية اللغة العربية في حياة المسلم لا تقل أهمية عن الماء والهواء والطعام، بل هي أعظم من ذلك؛ فإذا كان الطعام والشراب غذاء الجسم، وسبب ديمومته، فإن اللغة العربية وعاء للقرآن والسنة، وهما غذاء للروح، وبدون اللغة لن يفهم منهما شيئاً.
وقد امتازت اللغة العربيّة بالرقيّ في التعبير، والفصاحة في البيان والبلاغة، وكثرة الصور الفنيّة، وتمتاز بكثيرٍ من الخصال والمزايا، منها:
- تنوع الأساليب والعبارات إذ يمكن للمعنى الواحد أن يؤدى بتعبيرات مختلفة ؛ كالحقيقة والمجاز، والتصريح، والكناية .
- كثرة مفرداتها؛ وذلك نابعٌ من الاشتقاقات لجذور الكلمات([4]).
- احتواء اللغة لكثيرٍ من المترادفات([5]).
- احتواء اللغة على ألفاظٍ مشتركةٍ. ([6]).
- قيام اللغة على البناء في الإعراب والقواعد، وكُلّ بناءٍ يختلف عمّا سواه، ويحمل في طيّاته مضامين مختلفةٍ.
بالإضافة إلى كثير من المزايا الأخرى أعرضنا عنها من باب الاختصار.
الفرع الثاني: أهمية اللغة العربية في السنة النبوية: إن منزلة اللغة العربية في السنة النبوية، لا تقل أهمية عن منزلتها في القرآن الكريم، وقد وردت أخبار وآثار تدل على فضل اللغة العربية وأهميتها، منها ما رواه البخاري بسنده من حديث أَبَي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ…الحديث » قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ-أي البخاري-: ” وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الكَلِمِ: أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الأُمُورَ الكَثِيرَةَ، الَّتِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الكُتُبِ قَبْلَهُ، فِي الأَمْرِ الوَاحِدِ، وَالأَمْرَيْنِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ “([7])، وَقَالَ غَيره: المُرَاد الموجز من القَوْل مَعَ كَثْرَة الْمعَانِي([8]).
وَقال العيني: “قَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ إيجاز الْكَلَام فِي إشباع الْمعَانِي،…وَقَالَ ابْن شهَاب، فِيمَا ذكره الْإِسْمَاعِيلِيّ: بَلغنِي أَن جَوَامِع الْكَلم: أَن الله تَعَالَى يجمع لَهُ الْأُمُور الْكَثِيرَة الَّتِي كَانَت تكْتب فِي الْكتب قبله فِي الْأَمر الْوَاحِد أَو الْأَمريْنِ أَو نَحْو ذَلِك”([9])
وروى الإمام أحمد في مسنده بسنده من حديث عبد الله بن عمروt، قال: خرج علينا رسول الله e يوما كالُموَدِّع، فقال: “أنا محمد النبي الأمي”، قاله ثلاث مرِاِت، “ولا نبي بعدي، أُوتيتُ فواتح الكَلِم وخَواتمه وجوامعه…الحديث “([10]).
وفي رواية أخرى عن أبي موسى الأشعري t قال: قال رسول الله e: «أُعطِيتُ فَواتِحَ الكَلِمِ وخَواتِمَه. قُلْنا: يا رسولَ اللهِ عَلِّمْنا مما عَلَّمَك اللهُ عز وجل، فعَلَّمَنا التشَهُّدَ» ([11]).
قال المناوي: “أعطيت فواتح الكلام” أي: البلاغة والفصاحة، والتوصل إلى غوامض المعاني، وبدائع الحكم ومحاسن العبارات؛ التي أغلقت على غيره، وفي رواية: “مفاتح الكلم”
قال الكرماني: أي لفظ قليل يفيد معنى كثيرا، وهذا معنى البلاغة، وشبه في الخبر المار ذلك القليل بمفاتيح الخزائن التي هي آلة الوصول إلى مخزونات متكاثرة، (وجوامعه) التي جمعها الله فيه فكان كلامه جامعا كالقرآن في كونه جامعا فإنه خلقه (وخواتمه) أي خواتم الكلام يعني حسن الوقف ورعاية الفواصل فكان يبدأ كلامه بأعذب لفظ، وأجزله، وأفصحه، وأوضحه ويختمه بما يشوق السامع إلى الإقبال على الاستماع لمثله والحرص عليه”([12]).
ووجه الدلالة من الحديث: أن لفظة: «أُعطيت» و «أُوتيت» تدلان على المنحة؛ فالعطاء يدل على التكريم، فكيف إذا كان هذا التكريم؛ تكريما إلهيا، والمكرّم هو سيد الأنبياء والمرسلين، فالله جل في علاه؛ كرّم نبيه، وميزه بهذه الميزة، ولن يختار الله عز وجل لحبيبه ورسوله وخليله إلا صفات الكمال والعلو، وتمثل هذا: بإحاطة النبي-صلى الله عليه وسلم- التامة باللغة العربية، وحسن فصاحته، وبيانه.
ويبين القاضي عياض ذلك بقوله: «وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل؛ سلاسةَ طبع، وبراعةَ منزع، وإيجازَ مقطع، ونصاعةَ لفظ، وجزالةَ قول، وصحةَ معانٍ، وقلةَ تكلُّف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، فكان يخاطب كل أمة منها بلسانها ويحاورها بلغتها ويباريها في منزع بلاغتها»([13]).
المطلب الثاني: أهمية اللغة العربية لغير الناطقين بها، وقسمت ذلك إلى فرعين:
الفرع الأول: أهمية اللغة العربية لغير الناطقين بها من غير المسلمين:
تحتل اللغة العربية المركز الرابع كأكثر اللغات انتشاراً في العالم حيث يتحدث بها ما يقارب 280 مليون شخص؛ لهذا يسعى الكثيرون لتعلمها نظراً للفوائد التي من الممكن أن تقدمها للمتحدثين بها.
ويعدُّ تعلَم اللغة العربية لغير الناطقين بها سمة للتميز والذكاء؛ حيث لا يوجد إلا عدد قليل ممن يتقنها في بلاد الغرب، كما تأخذ اللغة العربية أهمية قصوى بسبب الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية؛ مما يفتح لدى الشخص الذي يتحدث العربية آفاق العمل، وفرصة أكبر للحصول على وظيفة.
ومما هو جدير بالذكر أن تعلّم اللغة العربية، يسهّل تعلّم اللغات الأخرى؛ كالفارسية، والتركية، التي تشترك في جذورها اللغويّة مع العربية.
الفرع الثاني: أهمية اللغة العربية لغير الناطقين بها من المسلمين:
تنبع أهمية اللغة العربية للناطقين بغيرها من المسلمين من كونها لغة العبادة، فلا يستطيع المسلم أن يؤدي العبادة اليومية والموسمية إلا بإتقان اللغة العربية، ولذلك ذهب بعض العلماء إلى وجوب تعلُّم اللغة العربية لمن أراد أن يتعلَّم علوم الشريعة، لكنهم اختلفوا في كون ذلك واجباً عينياً أم كفائياً.
يقول الإمام الشافعي-رحمه الله-: “إقامة هذا الدين في عباداته وتشريعاته وحكومته تتوقف على معرفة اللغة العربية، وإن هذه اللغة قد جعلها شرع الإسلام لغة المسلمين كافة وأوجب عليهم تعلمها” ([14])، وقال-أيضا-: ” فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يَشْهَد به أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، ويتلوَ به كتابَ الله، وينطق بالذكر فيما افتُرِض عليه من التكبير، وأُمر به من التسبيح، والتشهد، وغيرِ ذلك”([15]).
ويقول ابن تيمية: «اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجب؛ فإنَّ فَهْمَ الكتاب والسنة فرض، ولا يُفْهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب»([16]).
وَفي موضع آخر قال: « مَعْلُومٌ أَنَّ تَعَلُّمَ الْعَرَبِيَّةِ؛ وَتَعْلِيمَ الْعَرَبِيَّةِ ” فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ وَكَانَ السَّلَفُ يُؤَدِّبُونَ أَوْلَادَهُمْ عَلَى اللَّحْنِ. فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ أَنْ نَحْفَظَ الْقَانُونَ الْعَرَبِيَّ؛ وَنُصْلِحَ الْأَلْسُنَ الْمَائِلَةَ عَنْهُ؛ فَيَحْفَظُ لَنَا طَرِيقَةَ فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّة» ([17]).
وفي موضع ثالث قال: «تعلم العربية التي يتوقف فهم القران والحديث عليها فرضا على الكفاية»([18]).
ويقول السيوطي: «ولا شكَّ أنَّ علم اللغة من الدين؛ لأنه من الفروضِ الكفايات، وبه تُعرفُ معاني ألفاظ القرآن والسنة»([19]).
قال الشاطبي: عَلَى النَّاظِرِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْمُتَكَلِّمِ فِيهَا أُصُولًا وَفُرُوعًا أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ عَرَبِيًّا، أَوْ كَالْعَرَبِيِّ فِي كَوْنِهِ عَارِفًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ، بَالِغًا فِيهِ مَبَالِغَ الْعَرَبِ، أَوْ مَبَالِغَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ وَدَانَاهُمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا كَحِفْظِهِمْ وَجَامِعًا كَجَمْعِهِمْ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يَصِيرَ فَهْمُهُ عَرَبِيًّا فِي الْجُمْلَةِ، وَبِذَلِكَ امْتَازَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ، إِذْ بِهَذَا الْمَعْنَى أَخَذُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى صَارُوا أَئِمَّةً، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَحَسْبُهُ فِي فَهْمِ مَعَانِي الْقُرْآنِ التَّقْلِيدُ، وَلَا يَحْسُنُ ظَنُّهُ بِفَهْمِهِ دُونَ أَنْ يَسْأَلَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ ([20]).
وأما الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي ففصل في المسألة تفصيلا دقيقاً، وبين أن الحكم في تعلم اللغة العربية يتفاوت من قوم إلى آخرين بحسب الحال، فقال كلاما جميلاً أنقله بتمامه من أجل الفائدة حيث قال: إن الله سبحانه وتعالى قد فرض على كل من آمن به تعلم جزء من العربية، وبهذا تكون العربية فرض عين على كل إنسان بقدر ما يقيم به ألفاظ الفاتحة، وبقدر ما يتقن به التكبير والتشهد والسلام في الصلاة، فهذا القدر من العربية فرض عين على كل مسلم، ولا يسع مسلماً جهله. وهذا القدر اختلف الناس في تحديده؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: )فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ( [المزمل:20] ، والناس تتباين رؤاهم في تحديد هذا القدر الذي هو أقل ما يخاطب به الإنسان من تعلم العربية، فقال قوم: لا بد أن يصل إلى مستوى يفهم به ألفاظ الفاتحة، وألفاظ التشهد، وألفاظ الدعاء المأمور به على سبيل الوجوب، وكذلك ألفاظ الأذكار التي تجب مرة في العمر بالتهليل والاستغفار، والتسبيح والتحميد وغير ذلك، فيجب عليه أن يتعلم معانيها بالعربية.
وهذا القول هو الراجح، ومن القائلين به: الإمام مالك و الأوزاعي و سفيان الثوري ، وغيرهم من كبار علماء السلف.
فرأوا أنه يجب على الإنسان المسلم أن يتعلم معاني هذه الكلمات؛ لأنه لو قال: لا إله إلا الله دون أن يفقه معناها، فيمكن أن تلقن هذه الكلمة لأي إنسان، ولا يلزم بمقتضياتها، ولذلك فإن شهادة أن لا إله إلا الله لها أربع مقتضيات، من لم يحقق هذه المقتضيات الأربع فليس شاهداً أن لا إله إلا الله: فالمقتضى الأول: هو العلم بمعناها، والمقتضى الثاني: هو مقتضى القول: أن ينطق بذلك؛ لأنها مشروطة على القادرين، فلا يدخل الإنسان الإيمان وهو قادر على النطق إلا إذا نطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والمقتضى الثالث: هو أن يلتزم بحقوقها التي يقاتل عليها من تركها: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها” ([21])، والمقتضى الرابع: هو الإلزام بها، وهو أن يسعى الإنسان لنشر لا إله إلا الله، وتوسيع دائرة القائلين بها، وإلزام الناس بها.
فهذه المقتضيات الأربع هي مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله.
وقد توسع بعض المتأخرين من المتكلمين في هذا الباب، فقد ذكر عليش في شرحه لأم البراهين في العقائد الأشعرية للسنوسي : أن من لم يفهم ما تتناوله شهادة أن لا إله إلا الله من العقائد، وهو خمسٌ وستون عقيدة على مقتضى عد المتكلمين؛ فإنه لم يؤد مقتضياتها. وهذا تشدد ومبالغة لا محالة، ولكنه يدلنا على أهمية فهم شهادة أن لا إله إلا الله، فإذا كان بعض أهل العلم يرون أنك إذا لم تحقق مقتضياتها جميعاً وهي خمسٌ وستون عقيدة، فمعنى ذلك أنك لم تفهمها؛ فهذا يدلنا على أهمية تعلم اللغة التي يفهم بها معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وإن الذي يدعو وهو لا يفهم ما يدعو به، أو يثني على الله وهو لا يفهم معنى ما يثني به، لا يمكن أن ينال أجر ما يقول؛ لأن الصلاة قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل ليصلي الصلاة وما كتب له نصفها ثلثها ربعها…” ([22]) ، حتى انتهى إلى العشر؛ لأنه لا يكتب له منها إلا ما عقل ووعى، ومن هنا فإن على الإنسان أن يتفهم ويتدبر ما يقول، ولهذا قال الله تعالى: )كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ( [ص:29] ، وقال تعالى: )أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا( [محمد:24] ، وهذا الخطاب ليس للعرب وحدهم، بل لجميع من آمن بهذا القرآن.
ونحن مع القول الأول المسهل الذي يقتضي أقل نسبة، وهي ما يكون الإنسان به فاهماً لمقتضى ما يقول من شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ومحباً لما سوى ذلك، وعالماً أنه كلام الله، ومصدقاً به على سبيل الإجمال، لا على سبيل التفصيل. فهذا القول لاشك أنه أسهل وأيسر، وهو الراجح من ناحية الاستدلال، لكن مع هذا لا نهمل الأقوال الأخرى، ولا نعتدي على أقوال أهل العلم، فلهذا لا بد أن يعلم كل إنسان أن من واجباته العينية أن يتعلم جزءاً من العربية، يفهم به معنى شهادة أن لا إله إلا الله، ويقيم به حروف الفاتحة ويفهم معاني ألفاظها، ويقيم به حروف ألفاظ التعبدات في الصلاة، وغيرها من الواجبات العينية، فهذا القدر لا خلاف في وجوبه([23]).
فبدون العربية لا يستطيع المسلم فهم القرآن والسنة، ولا إقامة أحكام دينه، ومن باب أولى لا يستطيع بأي حالٍ أن يكون متخصصاً في علم الشريعة، لأنها آلة الفهم، وبدونها يولد الفكر معوجاً مضطرباً مشوشا.
المطلب الثالث: دور الحديث النبوي في تعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها عند أهلها
ذكرنا في المطلب السابق أن أهمية اللغة العربية للناطقين بغيرها من المسلمين تنبع من كونها لغة العبادة، فلا يستطيع
المسلم أن يؤدي العبادة اليومية والموسمية إلا بإتقان اللغة العربية، ولذلك ذهب بعض العلماء إلى وجوب تعلُّم اللغة العربية([24]).
وقد جاء الحديث النبوي الشريف مفسراً للقرآن الكريم، ومقيداً لمطلقه، ومخصصاً لعمومه، وموضحاَ لمشكله، وغير ذلك، بالإضافة إلى أنه جاء بأحكام جديدة استقلالاً لم ترد في القرآن، ولا شك في أن المسلمين ملزمون بالأحكام الواردة في السنة النبوية امتثالاً لقوله تعالى: ) وَمَا آتَاكُمُ الَّرُسولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا([الحشر:7]، ولا يستطيع المرء فهم القرآن دون أن يفهم السنة، وهذا يتطلب من المسلم الناطق بغير العربية أن يتقن العربية ليفهم الحديث النبوي ابتداءً، ولهذا بادر أهل البلاد التي دخلت في الإسلام إلى تعلّم اللغة العربية؛ لأنها تعدّ لغة الإسلام حتى أتقنوها، وبرز كثير منهم فيها حتّى صاروا أعلاماً تشد الرحال إليهم؛ كأمثال: سيبويه، وابن جني، وغيرهم، ومما هو جدير بالذكر أن شيخ سيبويه هو المحدث حماد بن سلمة.
وقد أسهم الحديث النبوي الشريف إسهاما كبيراً في حفظ اللغة العربية، وهذا ما شهد به الواضعون الأولون لعلم النحو، فإذا كان واضعوا علم النحو قد استفادوا من الحديث النبوي واستشهدوا به في تقعيد القواعد، فإن تعلم الحديث النبوي لغير الناطقين بالعربية سيُحسّن كثيرا من مستواهم باللغة العربية، لأن رواة الحديث النبوي كانوا يتشدّدون في نقله على الوجه الصحيح المروي عن رسول الله e امتثالاً لقوله e: “نَضَّرَ اللهُ امرأً سمِعَ منَّا شيئًا فبلَّغَهُ كما سمِعَهُ ، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى من سامِعٍ”([25])
وما كان لتعلّم الحديث النبوي أن يكون له هذا الدور الكبير في تعلّم اللغة العربية لولا وجود بعض الميزات التي جعلت منه عاملاً رئيسا في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، ويمكن تلخيص هذه الميزات في النقاط الآتية:
أولاً: صدق المصدر وصحة الطريق إليه: الحديث النبوي الشريف؛ هو كلام النبيe، والنبيeهو أفصح من نطق بلغة الضاد، وهو منزه عن اللحن، أو الضعف في الأحكام الصوتية والسلاسة المنطقية؛ مما يعتري بعض الفصحاء، كما أنّ المحدثين متشددون في قبول الأخبار عن النبيe، ولا يقبلون الحديث إلا إذا توافرت فيه شروط القبول الستة([26]):
- اتصال السند
- عدالة الرواة
- الضبط
- نفي الشذوذ
- نفي العلة
- وجود العاضد عند الاحتياج له
وهذا التشدد يأتي امتثالاً لقوله e: “نَضَّرَ اللهُ امرأً سمِعَ منَّا شيئًا فبلَّغَهُ كما سمِعَهُ ، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى من سامِعٍ”([27])، وذلك يعزز ثقة المتعلّم للحديث النبوي الشريف بالمصدر الذي يتلقى منه المادة العلمية.
وقد تأثر علماء اللغة العربية بمنهج المحدثين في التثبت والإسناد، فأفرد السيوطى في (المزهر) باباً بعنوان: (معرفة من تقبل روايته ومن ترد ) ([28]).
وقال ابن الأنباري: يُشتَرط أن يكون ناقل اللغة عدلاً، رجلاً كان أو امرأة، حراً كان أو عبداً؛ كما يشترط في نقل الحديث، وإن لم يكن في الفضيلة من شكله، فإن كان ناقل اللغة فاسقاً لم يقبل نقله([29]).
فقال ابن فارس في فقه اللغة: تؤخذ اللغة سماعاً من الرواة الثقات ذوى الصدق والأمانة، ويتقى المظنون ..، فليتحر أخذ اللغة أهل الأمانة والصدق والثقة والعدالة.
وقال ابن الانبارى في لمع الأدلة في أصول النحو: يشترط أن يكون ناقل اللغة عدلاً رجلاً كان أو امرأة، حراً كان أو عبداً، كما يشترط في نقل الحديث، لأن بها معرفة تفسيره وتأويله، فاشترط في نقلها ما اشترط في نقله، وإن لم تكن في الفضيلة من شكله، فإن كان ناقل اللغة فاسقًا لم يقبل منه([30]).
ثانياً: فصاحة الحديث النبوي الشريف وبلاغته:
فالحديث النبوي يأتي بعد القرآن الكريم من حيث الفصاحة والبلاغة، وكلاهما وحي من الله، إلا أنَّ القرآن الكريم وحي متلو، أما الحديث النبوي فوحي غير متلو، لكنه مقروء ، وهو الخبر الوارد عن رسول الله e، فالقرآن والخبر الصحيح من السنة هما شيء واحد في انهما من عند الله، وحكمهما حكم واحد في وجوب الطاعة لهما، وهذا يحسّن من مستوى المتلقي في اللغة والنحو والبلاغة، وبخاصة غير الناطقين بها؛ لأنهم لا يتكلمون اللهجة العامية، ويتقيدون باللغة العربية الفصحى.
ثالثاً: قدرة الحديث على ترسيخ القواعد النحوية في ذهن الدارسين للحديث النبوي:
للحديث النبوي الشريف وقع في النفوس، وله وظائف متعددة، منها: ترسيخ القاعدة النحوية في ذهن الدارسين له، لكونه وسيلة تربوية، ففيه من القيم والاخلاق والتوجيه والإرشاد، ما يجعله وسيلة تربوية في تعديل السلوك البشري، ومعيناً على تسهيل الموضوعات النحوية([31]).
رابعاً: فاعلية الأسلوب النبوي في الخطاب:
يتميز الحديث النبوي بفاعلية أسلوبه، فهو يثير الشوق والمتابعة وتركيز الانتباه، كما انه يعين الدارس على فهم المادة وتذوق النص، الأمر الذي يجعل الطالب قادراً على فهم القواعد النحوية التي تؤهله لإعراب النص وتحليله([32]).
وهذه الميزات انعكست إيجاباً على الدارسين للحديث النبوي الشريف، بحيث أسهمت في رفع مستواهم في اللغة العربية سواء للناطقين بها أو بغيرها.
فقد أثبتت الدراسة التي قامت بها الباحثة: “اقبال كاظم حبيتر” من كلية التربية في جامعة القادسية العراقية بعنوان: “أثر الحديث النبوي الشريف في تحصيل طالبات معهد اعداد المعلمات في قواعد اللغة العربية” تفوق تحصيل المجموعة التجريبية التي درست قواعد اللغة العربية باستعمال الأحاديث النبوية الشريفة على تحصيل المجموعة الضابطة التي درست قواعد اللغة العربية باستعمال الطريقة التقليدية في اختبار التحصيل البعدي حيث بلغ متوسط درجات المجموعة التجريبية (21.56) في حين بلغ متوسط المجموعة الضابطة(18.63)وباستخدام الاختبار التائي لعينتين مستقلتين للمقارنة بين هذين المتوسطين ظهر أنّ القيمة التائية المحسوبة(2.95)وهي اكبر من القيمة التائية الجدولية التي مقدارها (2)أي أن الفرق بين المتوسطين ذو دلالة إحصائية عند مستوى دلالة(0.05)، وعزت الدراسة هذ االتفوق إلى فاعلية أسلوب الحديث النبوي في إثارة الشوق والمتابعة وتركيز الانتباه مما يساعد على فهم المادة وتذوق النص.
واستنتجت الدراسة ان استخدام الأحاديث النبوية الشريفة يؤثر تأثيرا” إيجابيا” في تدريس مادة القواعد لدى طالبات معهد اعداد المعلمات، وأن أن الدارسات وجدن في أسلوب الحديث النبوي أسلوباً جديدا دفعهن إلى الاهتمام به والتواصل معه.
كما أوصت الدراسة باعتماد اسلوب الحديث النبوي الشريف في تدريس قواعد اللغة العربية بوصفه أسلوباً فاعلاً في تدريس هذه المادة، والإكثار من الأحاديث النبوية الشريفة في كتب قواعد اللغة العربية في اثناء عرض المادة النحوية وتعويد الطلبة على ممارستها، والتطبيق عليها([33]).
وإذا كان لدراسة الحديث النبوي الشريف هذا الأثر الواضح على تعلم اللغة العربية، فمن باب أولى أن يكون الأثر أكبر على دارسي الحديث النبوي في تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
المطلب الرابع: أثر الحديث النبوي في تطور اللغة العربية وانتشارها
الحديث النبوي الشريف جاء بلسان عربي مبين، فالنبيeأفصح من نطق بالضاد، أرسله الله إلى قوم معجبون بلغتهم العربية، ويفتخرون بها، لكنهم تعجبوا من فصاحته، وأعجزتهم بلاغته، فقد خاطب جميع القبائل العربية كل بلهجته، مما أدى إلى حفظ هذه اللهجات ونشرها من خلال الأحاديث النبوية، وما كان ذلك ليكون لولا الحديث النبوي الشريف، فقد نقلت لنا الأحاديث النبوية الشريفة بعض الألفاظ النادرة التي لم يعرفها العرب من قبل، وأصبح الحديث مصدراً مهما من مصادر اللغة العربية استشهد به النحاة وعلماء اللغة في تقعيد القواعد العربية، مما أسهم ذلك في إثراء اللغة العربية وانتشارها ([34]).
ويتجلى أثر الحديث النبوي الشريف في تطور اللغة العربية وانتشارها في مجالات عديدة يعجز المقام عن الإحاطة بها كافة، ولكن مالا يدرك كلّه لا يترك جلّه، وأقتصر على مجالين:
المجال الأول: تأثير الحديث النبوي الشريف في تطور اللغة العربية:
وتجلى ذلك في أمور عديدة من أهمها:
أولاً: إضافة معاني ومفاهيم جديدة لبعض المصطلحات المتداولة: أضاف الحديث النبوي الشريف معاني جديدة لبعض الألفاظ التي كانت معروفة عند العرب من قبل، لكنهم لم يكونوا يعرفون معانيها الجديدة التي أضافتها الأحاديث النبوية الشريفة، ومثال ذلك ما رواه مسلم بسنده من حديث عمر بن الخطابt بما يعرف بحديث جبريل الطويل…. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»([35])، والمعروف في اللغة أن الإحسان: “هو فعل ما هو حسن، أي جيد”([36])، أو أحسن إليه، وأحسن به([37])،لكن الحديث جاء بمعنى آخر، فقد: “أَرَادَ بالإِحْسَان: الإخلاصَ، وَهُوَ شَرْط فِي صحَّة الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ مَعًا… وَقِيلَ: أَرَادَ بالإِحْسَان الإشارةَ إِلَى المُرَاقَبَة وحُسْن الطَّاعَةِ، فَإِنَّ مَن راقَب اللَّهَ أَحْسَنَ عملَه»([38]).
وروى مسلم في صحيحه بسنده من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ e: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟» قَالَ قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ، قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا» قَالَ: «فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟» قَالَ قُلْنَا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ، قَالَ: «لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»([39]).
قال النووي: “وَأَصْلُ الرَّقُوبِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الَّذِي لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّكُمْ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرَّقُوبَ الْمَحْزُونَ هُوَ الْمُصَابُ بِمَوْتِ أَوْلَادِهِ وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ شَرْعًا بَلْ هُوَ مَنْ لَمْ يَمُتْ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ فِي حَيَاتِهِ فَيَحْتَسِبُهُ يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُ مُصِيبَتِهِ بِهِ وَثَوَابُ صَبْرِهِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ لَهُ فَرَطًا وَسَلَفًا وَكَذَلِكَ تَعْتَقِدُونَ أَنَّ الصُّرَعَةَ الْمَمْدُوحُ الْقَوِيُّ الْفَاضِلُ هُوَ الْقَوِيُّ الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ بَلْ يَصْرَعُهُمْ وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ شَرْعًا بَلْ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَب “([40]).
ثانياً: استبدال بعض المفردات بأفضل منها لصون اللسان عن الألفاظ الموهمة أو المسيئة للأدب:
وجه النبيe أصحابه إلى الإعراض عن بعض المفردات المعبرة عن حالة معينة، واستبدالها بأخرى أفضل منها، وأكثر أدباً، أو توهم معنى غير المعنى المراد، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلْيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي»([41]).
ولقست وخبثت بمعنى واحد، لكن النبيeكره لفظ الخبث وبشاعة الاسم، وعلمهم الأدب فى المنطق واستعمال الحسن منه، وهجران القبيح([42]).
واللقس في اللغة: الشَرِه النفس، الحريص على كل شيء، ولَقِسَت نفسه إلى الشيء: نازعته حرصاً([43]).
وروى مسلم بسنده من حديث عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – « لاَ يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ وَلاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ. فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ »([44])، وَفِى رِوَايَةٍ أخرى:قال e: « لاَ تَقُولُوا الْكَرْمُ. وَلَكِنْ قُولُوا الْحَبَلَةُ ». يَعْنِى الْعِنَبَ.»([45]).
قال النووي: “وسَبَبُ كَرَاهَةِ ذَلِكَ: أَنْ لَفْظَةَ الْكَرْمِ، كَانَتِ الْعَرَبُ تُطْلِقُهَا عَلَى شَجَرِ الْعِنَبِ، وَعَلَى الْعِنَبِ وَعَلَى الْخَمْرِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْعِنَبِ؛ سَمَّوْهَا كَرْمًا لِكَوْنِهَا مُتَّخَذَةً مِنْهُ وَلِأَنَّهَا تَحْمِلُ عَلَى الْكَرَمِ وَالسَّخَاءِ فَكَرِهَ الشَّرْعُ اطلاق هذه”([46]).وهناك أمثلة كثيرة على ذلك.
ثالثاً: استحداث مفردات وتراكيب جديدة لم تُعرف من قبل:
فالمتتبع لمتون الحديث النبوي الشريف يجد بعض المفردات والتراكيب التي وردت على لسان رسول اللهeولم يسبقه إليها أحد، ومن ذلك:
المفردات: هنالك بعض المفردات في الحديث النبوي لم يستخدمها العرب، ولم يسمعوا بها قبل تلفظ النبيe بها، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: ما رواه الإمام أحمد في مسنده، بسنده من حديث جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ، أَوْ سُلَيْمِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ:…: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجْفُو عَنْ أَشْيَاءَ، فَعَلِّمْنِي، قَالَ: ” اتَّقِ اللهَ وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي، وَإِيَّاكَ وَالْمَخِيلَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ،…الحديث”([47])، وفي “الكامل” للمبرَّد: رُوي عن النبيeأنَّه قال لأبي تميمة الهُجيمي: “إياك والمَخِيلة” قال: يا رسول الله! نحن قوم عربٌ فما المخيلة؟ قال: “سَبْل الإزار”([48]).
فنلاحظ أن الصحابة وهم عرب خُلَّص، ومع ذلك استفهموا عن هذه اللفظة، ففي الرواية الثانية قال الهجيمي: يا رسول الله! نحن قوم عربٌ فما المخيلة؟ أي أنه استغربها، وأول من استخدم هذه المفردة هو رسول الله eثم تناقلها الناس.
التراكيب: لم تقتصر إضافة النبي العربي الأمينe للغة العربية في المفردات فقط، بل كان له قدم السبق-أيضاً- في إيجاد تراكيب بديعة، كيف لا وقد جمع بين قوة عارضة البادية ونصاعة ألفاظ الحضر، ورونق كلامهم بالإضافة إلى العناية الإلهية التي أحاطت به وبكلامه، حتى أصبح كلامه مرجعاً في كثير من المسائل النحوية واللغوية، فقد روى مسلم في صحيحة من حديث العباسt قال: … فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ» قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ» ([49])، والوطيس: هو التنور أو مايشبهه، وقولهم: “حمي الوطيس”: كناية عن شدة الحرب، وقالوا: هي من الكلمات التي لم يسبق إليها e، وفيها تورية([50]).
وروى البيهقي بسنده من طريق: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتِيكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ e يَقُولُ: ” مَنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ”، وَاللهِ إِنَّهَا لَكَلِمَةٌ مَا سَمِعْنَاهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ رَسُولِ اللهِ e فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ “([51]).
و”مَاتَ حتف أَنفه يُقَال لمن يَمُوت على فرَاشه والحتف الْمَوْت”[52]).
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ” وَلَهُe فِي هَذَا النَّوْعِ أَلْفَاظٌ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا e “([53]).
فـ”هذه هي البلاغة الإنسانية التي سجدت الأفكار لآيتها، وحسرت العقول دون غايتها، لم تصنع ، وهي من الإحكام كأنها مصنوعة، ولم يتكلف لها وهي على السهولة بعيدة ممنوعة، ألفاظ النبوة يعمرها قلب متصل بجلال خالقه، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه، فهي إن لم تكن من الوحي ولكنها جاءت من سبيله وإن لم يكن لها منه دليل فقد كانت هي من دليله، محكمة الفصول، حتى ليس فيها عروة مفصولة، محذوفة الفضول، حتى ليس فيها كلمة مفصولة. وكأنما هي في اختصارها وإفادتها نبض قلب يتكلم، وإنما هي في سموها وإجادتها مظهر من خواطره e”([54]).
وهكذا فإن الدارس للحديث النبوي من الناطقين بغير العربية يكتسب مهارات لغوية كثيرة، ويزيد من إتقانه للغة العربية؛ لأن الحديث قول أفصح من نطق بالضاد، فضلا عن أنه مؤيد بالوحي ومحاط بالعناية الإلهية، فمن أراد إتقان اللغة العربية فعليه بقراءة القرآن والسنة النبوية.
المجال الثاني: أثر الحديث النبوي في انتشار اللغة العربية:
فقد أثر الحديث النبوي في انتشار اللغة العربية من حيث انه أسهم في حفظ اللهجات العربية المختلفة، إذ كان بخاطب كل قبيلة بلهجتها، فانتشرت هذه اللهجات من خلال تعلم الحديث النبوي، وعلى سبيل المثال لا الحصر أذكر بعض الأمثلة، فبالمثال يتضح المقال، فقد روى الإمام أحمد في مسنده، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الأَشْعَرِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ السَّقِيفَةِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ eيَقُولُ : “لَيْسَ مِنَ أمْ بِرِّ، أمْ صِيَامُ ، فِي أمْ سَفَرِ”([55]).
قال الحافظ ابن حجر: “وَهَذِهِ لُغَةٌ لِبَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ، يَجْعَلُونَ لَامَ التَّعْرِيفِ مِيمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّeخَاطَبَ بِهَا بِهَذَا الْأَشْعَرِيَّ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا لُغَتُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَشْعَرِيُّ هَذَا نَطَقَ بِهَا عَلَى مَا أَلِفَ مِنْ لُغَتِهِ، فَحَمَلَهَا عَنْهُ لرَّاوِي عَنْهُ، وَأَدَّاهَا بِاللَّفْظِ الَّذِي سَمِعَهَا بِهِ، وَهَذَا الثَّانِي أَوْجَهُ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.” ([56]).
وأما على المستوى المعجمي، فقد أسهم الحديث النبوي بشكل ملحوظ في بناء المعاجم اللغوية، وإثرائها بلهجات وألفاظ
وتراكيب جديدة ، منها: استشهاد الخليل بن أحمد الفراهيدي بثلاثة أحاديث من أجل شرح لفظة واحدة وهي: (النخاعة)
([57])،وقد زادت الأحاديث التي استشهد بها الخليل بن أحمد في معجمه عن ثلاثمائة حديث.
وقد وجد اللغويون في الحديث النبوي الشريف مادة لا بأس بها من مواد اللغة. فكان له أثر في توسيع المادة اللغوية، بما أشاع من ألفاظ دينية وفقهية، لم تكن تستخدم من قبل بهذا الاستخدام الخاص، فأقبل العلماء على دراسته وشرحه، وألفوا في غريبه كتبًا كثيرة، وكان حافزاً لعلماء اللغة على أن يجمعوا حول ألفاظه ما يتصل بهذا الغريب ليشرحوه وليبينوا معانيه.
وتأثر علماء اللغة العربية بمنهج المحدثين في التثبت والإسناد، كما مر سابقاً، وقد أوجب علماء اللغة الإسناد في نقل اللغة؛ لوجوبه في الحديث، فاشترطوا في ناقل اللغة العدالة بحسب ما يناسب اللغة، ورفضوا المجهول الذي لم يعرف قائله، كما رفضوا الاحتجاج بشعر لا يعرف قائله، خوفاً من أن يكون مولداً، فتدخل به الصنعة على اللغة، واعتبروا من اللغة متواتراً وآحادا ومرسلاً ومنقطعاً وأفرادا، وعلى نحو ما ذكر السيوطى فى المزهر.
ومن هنا يظهر لنا أن الحديث النبوي الشريف أثرى اللغة العربية بلهجات وألفاظ ومعاني وتراكيب جديدة لم تعرف من قبل، مما ساعد على توسعها وانتشارها بشكل كبير.
بالإضافة إلى ذلك فإن كون اللغة العربية هي لغة العبادة الإسلامية، جعل الفرد ما أن يسلم حتى يسارع إلى تعلم اللغة العربية ليتمكن من تأدية العبادات على أكمل وجه، وبما أن الحديث النبوي الشريف هو أحد المصادر المعتمدة للأحكام الشرعية فلا بد من تعلمه، ومن خلال تعلمه الحديث يمر على الفوائد والفرائد الموجودة فيه فيكتسب مهارات لغوية جديدة تساعده على إتقان اللغة العربية بشكل جيد.
الخاتمة
بعد أن منّ الله عليّ بإتمام هذه الورقة البحثية لا بد من تسجيل أهم النتائج التي توصلت إليها، ومن أهمها:
- ان اللغة العربية وعاء لجميع مصادر الدين الإسلامي بلا استثناء، وهنالك ارتباط وثيق بين اللغة العربية والوحيين: القرآن والسنة.
- ان اللغة العربية هي الوسيلة الأولى-وربما الوحيدة- لإقامة الشعائر التعبدية في الإسلام، وبدونها لا تكون هذه العبادات متكاملة.
- أن الحديث النبوي الشريف أثرى اللغة العربية بلهجات وألفاظ ومعاني وتراكيب جديدة لم تعرف من قبل، مما ساعد على توسعها وانتشارها بشكل كبير.
- ان الحديث النبوي الشريف واللغة العربية لعبا دوراً مهما في فهم كل منهما للآخر.
- ان المحافظة على اللغة هو جزء من المحافظة على ثوابت الدين الإسلامي
- ان الجهل باللغة العربية يعدّ أحد أسباب الانحراف عن الطريق الصحيح، وتعاليم الدين الحنيف .
وختاما: فهذا جهد المقلّ، فما كان فيه من صواب؛ فبفضل الله تعالى وتوفيقه، وإن كان فيه من تقصير فمنّي ومن الشيطان، فأستغفر الله وأتوب إليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
([1])؛ القلقشندي أحمد بن علي بن أحمد الفزاري، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، تحقيق: يوسف الطويل، دار الفكر، دمشق-سوريا،الطبعة الأولى1987م (1/184).
([2]) ابن كثير؛ أبو الفداء إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: محمود حسن، دار الفكر،بيروت-لبنان، الطبعة الجديدة1994م. (2/568).
([3]) ينظر: الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي(2/41)، وآداب الشافعي ومناقبه(ص112).
([4]) طبيعة الاشتقاق في اللغة؛ ومعناه المادة اللغويّة الواحدة تحمل معاني متشابهةً كثيرةً، ومثال ذلك حروف: “ج ن ن” معنى جذره الستر، ثمّ سُمي الجنين جنيناً وهو مستورٌ في بطن أمّه، ثمّ سمّي المجنون مجنوناً وهو من استتر عقله، منها جاء لفظ الجنّة المستورة عن الأعين البشريّة.
([5]) ويراد العديد من الألفاظ التي تحمل نفس المعنى؛ مثل الأسد قيل له500اسم في اللغة العربية إذ يطلق عليه: الغضنفر، والليث، وأسامة، والدرباس، والدرواس، والهصور، والدرغام، والحمزة، وغير ذلك.
([6]) منها: عين الإنسان وعين الماء وغير ذلك.
([7])البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، دار طوق النجاة الطبعة الأولى1422ه.(9/36)، كتاب التعبير، باب المفاتيح باليد ، برقم(7013).
([8])ابن حجر؛ أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت-لبنان1379ه.(1/99).
([9]) العيني؛ محمود بن أحمد، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت-لبنان (14/235).
([10])أحمد، بن محمد بن حنبل، مسند أحمد، دار الحديث، القاهرة-مصر، الطبعة الأولى1995م.(6/177)ج رقم( 6606). وحسّن إسناده أحمد شاكر في تخريج المسند، وضعفه الألباني في إرواء الغليل، والأرنؤوط في تخريج المسند، ورواه ابن حبان في صحيحه(14/311)بترتيب ابن بلبان، وقال الألباني: صحيح لغيره، وقال الشيخ شعيب محقق الكتاب: “حديث صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي الأحوص، واسمه عوف بن مالك بن نضلة، فمن رجال مسلم، وزهير بن معاوية أخرج له الشيخان من روايته عن أبي إسحاق -وهو السبيعي- وقد توبع.
([11])البيهقي، أحمد بن الحسين، شعب الإيمان، تحقيق: عبد العلي عبد الحميد، مكتبة الرشيد، الرياض-السعودية، الطبعة الأولى2003م.(3/38)ح رقم(1368) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
([12]) المناوي؛ زين الدين محمد، فيض القدير شرح الجامع الصغير، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة-مصر، الطبعة الأولى1356ه.(1/565).
([13]) القاضي عياض، بن موسى اليحصبي، الشفا بتعريف حقوق المصطفى وبذيله الحاشية المسماة بـ: مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء؛ لأحمد الشمني، دار الفكر1988م. (1/70).
([14]) اللغة العربية في نظر السلف الصالح، عرفان عبد الدايم، منشور على موقع منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية بتاريخ 24/6/2017 – http://www.m-a-arabia.com/vb/showthread.php?t=22959وينظر : كتاب
حكم تعلم اللغة العربية للعرب والعجم؛ لمعمر عبد العزيز، معهد عش كريما/صولو(ص13).وهو منشور على موقع مكتبة نورhttps://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D9%87-pdf
([15]) الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، مكتبة الحلبي، القاهرة-مصر، الطبعة الأولى1940م.(1/47)
([16]) ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم(ص207)
([17]) ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم،مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، السعودية1995م.(32/252)
([18]) ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم، الرد على المنطقيين، دار المعرفة، بيروت-لبنان(ص178).
([19]) السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق:فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية بيروت-لبنان الطبعة الأولى1998م.(2/260).
([20]) الشاطبي، إبراهيم بن موسى الغرناطي، الاعتصام، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة-مصر(2/297).
([21])رواه البخاري في صحيحه(1/14)كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتو الزكاة فخلوا سبيلهم، برقم(25) ونصه: عَنِ ابْنِ عُمَرَ،أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ»
([22]) جزء من حديث رواه ابن حبان في صحيحه(5/210-211)ح رقم(1889)ونصه: “أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَخَفَّفَهُمَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ أَرَاكَ قَدْ خَفَّفْتَهُمَا قَالَ إِنِّي بَادَرْتُ بِهِمَا الْوَسْوَاسَ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “إِنَّ الرجل ليصلي الصلاة ولعله لَا يَكُونُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا أَوْ تُسْعُهَا أَوْ ثُمُنُهَا أَوْ سُبُعُهَا أَوْ سُدْسُهَا” حَتَّى أَتَى عَلَى الْعَدَدِ.والحديث إسناده حسن. وأخرجه أحمد 4/319، والنسائي في الصلاة من سننه الكبرى كما في التحفة 7/484 من طريق يحيى القطان، بهذا الإسناد.
وأخرجه أحمد 4/321، وأبو داود “796” في الصلاة: باب ما جاء في نقصان الصلاة، والنسائي كما في التحفة 7/478، والبيهقي 2/281 من طريق ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عنمة المزني، عن عمار بن ياسر. وهذا سند حسن في الشواهد، عبد الله بن عنمة، يقال: روى عنه اثنان، وله صحبة، وباقي رجاله ثقات.
([23])ينظر: دروس الشيخ محمد حسن الددو-محاضرات-المجلد6 ص6منشور على موقع جامع الكتب الإسلامية https://ketabonline.com/ar/books/5838/read?part=6&page=167&index=5244134/52441
39
([25]) جامع الترمذي(5/34)، أبواب العلم، باب ماجاء في الحث على التبليغ، برقم(2657)، واللفظ له، وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه(232) وأحمد(4157).
([26]) ينظر: عتر، نور الدين، منهج النقد في علوم الحديث،دار الفكر، دمشق-سوريا،الطبعة الثانية1979م.)ص242)وما بعدها.
([28]) المزهر في علوم اللغة للسيوطي(1/107).
([29]) ينظر: عتر، نور الدين، منهج النقد في علوم الحديث،دار الفكر، دمشق-سوريا،الطبعة الثانية1979م.)ص242)وما بعدها.
([30]) ينظر: لمع الأدلة(ص85)، والمزهر(1/138).
([31])ينظر: إقبال كاظم، أثر الحديث النبوي في تحصيل طالبات معهد إعداد المعلمات في قواعد اللغة العربية، بحث محكم منشور في: مجلة القادسية في الآداب والعلوم التربوية، المجلد(8) العدد(4) لسنة2009م(ص261).
([33])ينظر: إقبال كاظم، أثر الحديث النبوي في تحصيل طالبات معهد إعداد المعلمات في قواعد اللغة العربية، بحث محكم منشور في: مجلة القادسية في الآداب والعلوم التربوية، المجلد(8) العدد(4) لسنة2009م(ص270-271).
([34]) مع التسليم بأن علماء اللغة اختلفوا في مسألة الاستشهاد بالحديث النبوي في المسائل اللغوية بيد أن أغلبهم أقروا بصحة الاستشهاد بالحديث النبوي لأن النبيeأفصح العرب على الإطلاق، ولكن المخالفين احتجوا بأن بعض الأحاديث مروية بالمعنى وليس كما تلفظ بها النبيe. “فالخلاف بينهما هو في توظيف النص النبوي في بعض مجالات البحث اللغوي، وكلا الموقفين أدى إلى إثراء اللغة العربية ودفع حركة البحث بها”(أثر الحديث النبوي الشريف في اللغة العربية وتطويرها للدكتورة فاطمة الزهراء-مجلة البحوث العلمية والدراسات الإسلامية مجلد12 العدد2 ص73).
([35])صحيح مسلم(1/36)، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام…برقم(8).
([36])ينظر: المعجم المحيط، باب الألف(1/20)
([37])شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم(3/1447).
([38])النهاية في غريب الحديث والأثر؛ لابن الجزري(1/387).
([39])صحيح مسلم(4/2014)، كتاب البر والصلة والآداب، باب من يملك نفسه عند الغضب برقم(2608).
([40])النووي، محيي الدين بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث، بيروت-لبنان، الطبعة الثانية1392ه.(16/162).
([41])صحيح مسلم(4/1765)، كتاب الأدب، باب كراهية قول الإنسان خبثت نفسي، برقم(2251).
([42])القاضي عياض، إكمال المعلم بفوائد مسلم، تحقيق: يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، الطبعة الولى1998م.(7/191)
([43])الخليل بن أحمد، كتاب العين، تحقيق: مهدي مخزومي وإبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال(5/78)
([44])صحيح مسلم(4/1763)، كتاب الأدب، باب كراهية تسمية العنب كرما، برقم(2247).
([45])صحيح مسلم(4/1764)، كتاب الأدب، باب كراهية تسمية العنب كرما، برقم(2248).
([46])شرح النووي على صحيح مسلم(15/4).
([47])أحمد، بن محمد بن حنبل، المسند، تحقيق: شعيب الأرناؤط وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى2001م (34/234) ح رقم(20632)، قال المحقق: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف، لجهالة حال عبد ربه الهجيمي، فلم يرو عنه سوى اثنين، ولم يؤثر توثيقه عن أحد، لكنه متابع، تابعه عقيل ابن طلحة فيما سيأتي في الرواية التالية.
([48])مغلطاي، بن قليج بن عبد الله البكجري، إكمال تهذيب الكمال، تحقيق: عادل محمد وآخرون، الفاروق للطباعة والنشر، الطبعة الأولى2001م(7/60).وينظر: الكامل في اللغة(1/39).
([49])صحيح مسلم(3/1398)، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، برقم(1775).
([50])الهرري، محمد الأمين، الكوكب الوهاج والروض البهاج في شرح صحيح بن الحجاج، دار المنهاج، الطبعة الأولى2009م.(19/247)
([51])شعب الإيمان للبيهقي(3/42)،كتاب حب النبيe، باب في بيان النبيe وفصاحته، برقم(1372).
([52])فتح الباري شرح صحيح البخاري(1/102)
([54]) الرافعي، مصطفى صادق، تاريخ آداب العرب، دار الكتاب العربي.د.ت(2/185).
([55])مسند أحمد(39/84)قال المحقق: إسناده صحيح. وأخرجه الطبراني في “الكبير(19/387) من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، بهذا الإسناد. وهو عند عبد الرزاق في “المصنف” (4467) ، ومن طريقه أخرجه الطبراني في “الكبير(19/ 386) ، والبيهقي في “السنن” (4/242).وأخرجه الدارمي (1710) ، والطحاوي في “شرح معاني الآثار” 2/63، وابن قانع في “معجم الصحابة” 2/377، والطبراني في “الكبير” 19/ (389) – (399) ،و”الأوسط” (3272) و (7622) و (9189) ، وفي “مسند الشاميين” (1813).
([56]) ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، تحقيق: حسن قطب، مؤسسة قرطبة – مصر(2/393).
Prophetic hadith, Arabic language, non-native speakers
This research aims to clarify the role of learning the Prophet’s Hadith in teaching the Arabic language for non-native speakers among its people, and the nature of the research necessitated the use of three approaches: the partial inductive approach, the analytical approach and the deductive approach.
The research concluded with a number of results, the most important of which are: that the Arabic language is a vessel for all sources of the Islamic religion without exception, and it is the first – and perhaps the only – way to establish devotional rites in Islam, and that the Noble Prophetic hadith enriched the Arabic language with new dialects, words, meanings and structures that were not known before. Which helped to expand and spread significantly
This research came in an introduction, four chapters, and a conclusion

